تعلمت من الحياة

تعلمت من الحياة:
لن ينكسر قارب الحياة على صخرة اليأس مادام هناك مجداف اسمه الأمل.

Thursday, 14 July 2011

دروس من الحياة: ٤٢- الباذنجانة

ذكر الشيخ علي الطنطاوي في مذكراته قصة واقعية يعرف أشخاصها و يعرف تفاصيلها، و أنه يرويها كما حصلت بدون الحكم على ما وقع فيها من أحداث أنها خير أو شر، أو أنها جائزة أو ممنوعة:

في دمشق مسجد كبير اسمه جامع التوبة، سُمي بجامع التوبة لأنه كان خاناً ترتكب فيه أنواع المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري، و هدمه ثم بناه مسجداً.

و كان فيه قبل فترة من الزمن شيخ مربي عالم عامل اسمه الشيخ سليم السيوطي، و كان أهل الحي يثقون به و يرجعون إليه في أمور دينهم و أمور دنياهم.

و كان هناك تلميذ شديد الفقر و لكنه مع ذلك مضرب المثل في إبائه و عزة نفسه، و كان يسكن في غرفة المسجد.

مرّ على هذا التلميذ يومان لم يأكل شيئاً، و ليس عنده ما يطعمه و لا ما يشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، و فكر ماذا يصنع، فرأى أنه بلغ حدّ الاضطرار الذي يُجيز له أكل الميتة أو السرقة بمقدار الحاجة، وآثر أن يسرق ما يقيم صلبه.

و كان المسجد في حيّ من الأحياء القديمة، و البيوت فيها متلاصقة و السطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من أول الحي إلى آخره مشياً على السطوح، فصعد إلى سطح المسجد و انتقل منه إلى الدار التي تليه فلمح بها نساء فغض من بصره و ابتعد، و نظر فرأى إلى جانبها داراً خالية وشمّ رائحة الطبخ تصدر منها، فأحس من جوعه لما شمها كأنها مغناطيس تجذبه إليها، و كانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة، فصار في الدار، وأسرع إلى المطبخ، فكشف غطاء القدر، فرأى بها باذنجاناً محشواً، فأخذ واحدة، و لم يبال من شدة الجوع بسخونتها، عض منها عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله و دينه، و قال لنفسه: "أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم أقتحم المنازل و أسرق ما فيها؟؟"

و كبر عليه ما فعل، و ندم و استغفر و رد الباذنجانة، و عاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد، و قعد في حلقة الشيخ و هو من شدة الجوع لا يكاد يفهم ما يسمع،

فلما انقضى الدرس و انصرف الناس، جاءت امرأة مستترة (و لم يكن في تلك الأيام امرأة غير مستترة) فكلمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفت الشيخ حوله فلم ير غير ذلك التلميذ، فدعاه و قال له: "هل أنت متزوج؟"

قال التلميذ: "لا."

فقال الشيخ: "هل تريد الزواج؟"

فسكت التلميذ بُرهة قبل أن يكرر الشيخ سؤاله: "قل هل تريد الزواج؟"

قفال التلميذ: "يا سيدي، إن لم يكن معي ثمن رغيف خبز أسد به رمقي فكيف أتزوج؟"

قال الشيخ: "إن هذه المرأة أخبرتني أن زوجها توفي، و أنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه و لا في الدنيا إلا عم عجوز فقير، و قد جاءت به معها -و أشار إليه قاعداً في ركن الحلقة-  و قد ورثت دار زوجها و معاشه، و هي تحب أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله و رسوله، لئلا تبقى منفردة، فيطمع فيها الأشرار و أولاد الحرام، فهل تريد أن تتزوج بها؟"

قال التلميذ: "نعم."

و سألها الشيخ: "هل تقبلين به زوجاً؟"

قالت: "نعم."

فدعا بعمها، و دعا بشاهدين، و عقد العقد، و دفع المهر عن التلميذ، و قال له: "خذ بيدها."

و أخذت بيده، فقادته إلى بيته، فلما دخلته كشفت عن وجهها، فرأى شباباً و جمالاً، و رأى البيت فإذا هو البيت الذي نزله قبل الدرس، و لكنه لم يقل شيئا، و سألته: "هل تأكل؟"

قال: "نعم."

فكشفت غطاء القدر، فرأت الباذنجانة، فقالت: "عجباً من دخل الدار فعضها؟!"

فبكى الرجل، و قص عليها الخبر، فقالت له: "هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام، فأعطاك الله الدار كلها و صاحبتها بالحلال."

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبرة:

من يعف عن الحرام لا بد و أن يرزقه الله الرزق الحلال، فإن مع العُسر يُسراً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: هذه سلسلة من الحكايات القصيرة التي فيها عبرة، الحكايات ليست من تأليفي و لكني جمعتها و ما زلت من مصادر مختلفة، السلسلة أسبوعية حيث تظهر قصة جديدة كل يوم خميس بشكل ذاتي.

القصص السابقة:
  1. نعـل الملك
  2. حذاء غاندي
  3. ذكاء فتاة
  4. أمسك بيدي
  5. الأب المشغول دائماً
  6. القناعة كنز لا يفنى
  7. ضاع العمر بغلطة
  8. المحتال
  9. البائع و المحاسب و المدير
  10. مشكلة السيارة
  11. قصة القنديل الصغير
  12. كيس الحصى
  13. الرجل الغني و ابنه
  14. الحلاق و الغلام
  1. الإعلان و الأعمى
  2. فـي بيتهـم بـاب
  3. الوزراء الثلاثة
  4. الحمار الذي يجب بيعه
  5. تحية الصباح
  6. الحظ و المنطق
  7. مصيدة الطموح
  8. النملة
  9. الأرنب و النسر
  10. الرجل البليد
  11. السيد ديستان
  12. فِطنة حُذَيْفَة
  13. المال الضائع
  14. المسافرة و كيس الحلوى
  1. حكاية النسر
  2. الصبي و النادلة
  3. ساعة الياباني
  4. رسوم أطفال
  5. عقد الألماس
  6. سر السعادة
  7. الملك و الصياد
  8. قصة انتحار غريبة
  9. الملك إدريس السنوسي
  10. الحب عن بُعد
  11. ذكاء أبي حنيفة
  12. الولد و المسمار
  13. الحصان
  14.  

11 comments:

نور said...

صباحك خيـــر وبركة

كم هي فسحة رائعة لي - ولا شك - لكل من يدخل هنا ، يجد ما يسمو بروحه ويرقى بفكره ويشدّ من أزره ويقوّي عزيمته على صنوف الحياة
.
.

هذا العطاء الرائع الذي تجود به علينا أدعو الله أن لا نعدمه أبداً..

فلربما تأتي القصة لروحٍ تتلقفها فتكون خير غذاء
وربما تسقط الكلمة في قلبٍ يحتاجها فتكون له الدواء

أخي صالح ... كل الشكر لوجودك ولكل ما تجود به علينا

UmmOmar said...

ئديشها لقمه الحرام سهله,, بس بيضل فيها طعم مراره,, وبتخلص بسرعه

سلما للسماء said...

فأن مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا
جمييييييله جدا ..شكرا لك

Haitham هيثم Al-Sheeshany الشيشاني said...

قشعرتلي كل بدني يا صالح باشا!

لبنــــــــــى said...

كلما ضاقت حلقاتها تفرج :)))

انا مقتنعة كتير لانو تكرر معي هادا الشي اكتر من مرة و كل ما فكرت انها رح تسكر بتفرج باحلى و احسن من اللي بتمناه :)

قصة حلوة كتير

Finalway said...

انا ضحكت لما قراتها ...

وعجبتني عزة النفس انا بحب الشخص عزيز النفس ولو مات ... ولو شو ما صار ...

كل الاحترام لقصصك يا صالح ...

نورنياتي said...

من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه

الأشي الغريب انو في ناس إزا سمعت عن هاي القصة رح تحكي شووو هاد فلم هندي؟؟

بس الأغرب من ذلك إنو بجد هاي القصص بتصير وكانت ولا زالت لأنو بننسى بلحظات إنو ربنا يلي خلقنا بيعرف عنا كل شي وكل حاجاتنا ومناجاتنا له فما بالك لو لو إلتزم الإنسان وسار في طريق الله

زينة زيدان said...

لقد قصت علي أمي قصة تحمل نفس المعني لكن باختلاف بسيط والعبرة التي تكررها أمي كلما قصت علينا هذه القصة " من ترك

لقمة حرام دبرها له الله بالحلال "

قصص رائعة تعطينا حكمة وعبرة في كل مرة

أحيي قلمك وفكرك الراقي

Aseel said...

سبحان الله. الرزق على الله. هناك من يستعجل الرزق ليأخذه بالحرام. وهناك من يحتسب ويصبر ويتوكل على الله فيصله بالحلال

Anonymous said...

ما أروعها من عبرة تلتمس قلوب من كان للعبر مقدرا ....جزاك الله خيرا
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك يا رب
خلووووووووود

Euphoria said...

من زمـــــــــــــــــــان ما قرأت قصه وقشعر بدني عليها


جميله
:))